في العالم اليوم يوصفون الإكتئاب بأنه مرض العصر وأنا أراه أشبة بممر لابد من عبوره يوما ما, هناك من يعبر سريعا ويتعافى ويعود إلى حياته الطبيعية و هناك من يمكث طويلا ويتحول الممر إلى نفق مظلم لا نهاية له.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 332 مليون شخص يعانون من الاكتئاب حول العالم، مع تسجيل ارتفاع كبير في معدلات الاضطرابات النفسية بنحو 95.5% خلال العقود الثلاثة الماضية، متأثرةً بالضغوط المعيشية المتزايدة، والتغيرات الاجتماعية، وتداعيات الأزمات المتعددة , وبحسب الأرقام والإحصاءات العالمية يعاني أكثر من مليار شخص حول العالم من شكل من أشكال الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب, تصل نسبة البالغين الذين يعانون الاكتئاب عالمياً إلى نحو 5.7%, النساء أكثر عرضة للإكتئاب بنحو 1.5 مرة مقارنة بالرجال.. وللاكتئاب أنواع وأسباب يأتي في مقدمتها, الضغط الاقتصادي متمثلا في صعوبة العيش وارتفاع معدلات البطالة والفقر, واللافت أنه ليس الفقراء وحدهم من يعانون الاكتئاب فهناك اكتئاب للأغنياء,اكتئاب خاص بالتكنولوجيا والوحدة وزيادة العزلة الاجتماعية واستخدام وسائل التواصل بشكل سلبي, كل هذا -وفق المتخصصين- يولد شعوراً بالوحدة تقود صاحبها إلى اكتئاب , وهناك اكتئاب عابر للقارات, توجده الضغوط اليومية الناجمة عن الأزمات والحروب العالمية كالنزوح و التهجير و تشتت العائلات.
قرأت مؤخرا في موضوع اكتئاب كبار السن وهو ما يوصفه المتخصصين بمرض نفسي شائع وليس جزءاً طبيعياً من الشيخوخة, يظهر غالباً في انسحاب اجتماعي، أو حزن مستمر، أو تغيرات في الذاكرة والنوم وهذا النوع من الاكتئاب مصحوب بشجن وذكريات لأحبة فقدوا, ولأماكن وذكريات وتفاصيل منقوشة في الروح, راح أحد أطرافها إلى عالم آخر وترك الثاني يتألم, ولسان حاله يقول: إذا أعادوا لنا الأماكن فمن يعيد لنا الرفاق؟!
استوقفني ما بات يعرف باكتئاب التقاعد, والمقصود هنا انتهاء خدمة الشخص في عملة والتي تتراوح في العديد من البلدان حول العالم ما بين الستين والسبعين , وهذا النوع من الاكتئاب يقلب حياة الشخص رأسا على عقب حيث يبدأ تدريجيا في تضييق دائرة تحركاته حتى يوشك على فقدان الاستقلال الحركي نفسيا أولا ثم فيزيائيا لاحقا, بمعنى أن بعض الأمراض تبدأ في دق بابه حول الآداء الجسدي له فتعيق حركته و يدخل مجبرا في عزلة اجتماعية كنتيجة طبيعية لبقائه وحيدا البقاء لفترات طويلة بدون تفاعل.
استقر أساتذة الطب النفسي على نتيجة مفادها أن التقاعد قد يؤدي بالفعل إلى الاكتئاب بسبب التغيير الجذري في الحياة اليومية وفقدان الروتين، وضياع الهوية المهنية والشعور بانعدام الهدف، إلى جانب العزلة الاجتماعية وقِلّة التواصل مع الزملاء، مما يجعل هذه المرحلة تحدياً نفسياً حقيقياً للكثيرين, فالشخص الذي أمضى عمره في مهنة ما وظل مثلا لثلاثين أوأربعين عاما يعمل في هذا المجال أو ذاك يصعب عليه أن يقطع صلته به هكذا وحتى لو تم تكريمه أو قيل له ألف شكرا, ففي عقله أن لديه الكثير بإمكانه أن يقدمه حتى ولو قدر طاقته الجسدية قد قل, لكن عقله وخبرته يرفضان التقاعد.
وهنا أثار إعجابي الشديد الطرح الذي قدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، بدولة الإمارات العربية المتحدة والمتعلق بدمج كبار السن والمتقاعدين في المجتمع وحمايتهم من الاكتئاب وتصميم نظام دوام جزئي جديد في حكومة الشارقة، إما بنظام الساعات (ساعة أو ساعتان يومياً) أو بنظام الأيام (ثلاثة أيام غير متتابعة أسبوعياً). وقال الشيخ القاسمي في مداخلة هاتفية عبر برنامج "الخط المباشر"، الذي يبث من إذاعة وتلفزيون الشارقة: "كبير السن الآن جالس في البيت، ماذا ينتظر.. نهاية الحياة؟ لا .. يداوم ثلاثة أيام في الاسبوع.. يوم.. ويوم لا، أريده أن يشترك معنا لأنه سيقدم شيئاً".. وتابع حاكم الشارقة: " أهدف من هذا البرنامج إلى إخراج كبير السن من البيت وإشراكه معنا في الحياة، وبهذا البرنامج يستطيع كبير السن القيام والإستعداد للخروج للعمل ويشارك مع الجميع، حتى لو جائني على عكاز، أريده أن يحيي المجتمع، وبهذا أكون قد منعت الاكتئاب أن يدخل على هذا الإنسان".
فكرة عظيمة ماذا لو تم دراستها وتوسيع نظاق استخدامها دوليا, بالطبع كل بلد له ظروفه بحسب تعداده وحساباته الاقتصادية والاجتماعية ولكن رفع المعنويات والحفاظ على الصحة النفسية للمتقاعدين أمر يستحق الدراسة.